‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرائع تكشف الحقيقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرائع تكشف الحقيقة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يناير 21، 2011

على هامش المعمودية

قرأنا في الجزء الأول من موضوع المعمودية أن يوحنا المعمدان لم يتعمد لأنه من بطن أمه امتلأ بالروح القدس١ وعلمنا مدى الصلة بين الروح القدس والمعمودية حيث أنها صلة حقيقية٢ إذ أنه لا معمودية إلا بالروح القدس فهو الذي يعطي ماء المعمودية فاعليته وبلا روح قدس فلاشيء٣ .
إلا أن هذا الكلام لقي معارضات لطيفة من الأخوة الرافضين رافضاً تاماً وجود أي صلة بين موضوع المعمودية وموضوع الروح القدس فهما منفصلان وأن الروح القدس له مهاماً محددة ذكروها مراراً ولكن بمنآى عن المعمودية بشكلٍ تام !* ولكن المنطق يقول أن الكلام المُوَثق هو أوثق من الكلام الشفوي المرسل لهذا كان كلام المرجع المسيحي دليلاً على صحة موضوع المقال فلما يكون روح القدس هو المُعطي لماء المعمودية فاعليته٤ للتطهير فبالتالي يكون هو أولى ـ الروح القدس ـ بالتطهير دون أن يحل على الماء فضلاً عن أنه أقنوم كامل له جميع الخصاص غير محدود ، فيكون يوحنا المعمدان الذي امتلأ في بطن أمه بالروح القدس قد نال العماد مباشرة من المصدر الأطهر .

ولما تساءلنا عن مصدرية تعميد يوحنا المعمدان أي من الذي عمده ؟ اختلفت جميع الأجوبة عن بعضها البعض إذ كانت كالتالي :
1. أنه لم يتعمد أصلاً
2. أنه نال معموديته بالدم إذ قد مات شهيداً
3. أنه نال عماده من عملية الفداء كما نالها جميع الراقدون المؤمنون قبل الفداء
**
إلا أن جميع تلك الأجوبة لم تعتمد على مصدر أو مرجع لتستند عليه في طرحها باقية على ما هي عليه من فكرة انفصال موضوع الروح القدس عن موضوع المعمودية ! ورغم أن النص الكتابي واضح وضوح الشمس وصريح في أن يوحنا المعمدان نال الروح القدس في بطن أمه وهو ما تجري من أجله المعمودية ويرفضه البعض يؤكده كلام القساوسة المسيحيون الكرام . ثم دللنا أن عظمة يوحنا المعمدان تكمن في أنه تمتع بالثالوث القدوس روحاً وحساً٥ .
إن خروج يوحنا المعمدان من بطن أمه متمتعاً بالروح القدس يملئه روحاً وحساً هو تماماً كخروج المؤمنون من فُلكِ نوح بعد هدوء الطوفان وكخروج النبي يونان من بطن الحوت بعد الغفران وكخروج العبرانيين من أرض مصر من وجه الطغيان ، كل ذلك ألا يشبه قيامة المسيح بعد دفنه وهو الذي ترمز له المعمودية ؟؟ فلما نقول أن كل تلك الحوادث رموز لقيامة المسيح بعد دفنه وهو ماترمز له المعمودية والتغطيس ثلاثاً ثم لما يكون يوحنا المعمدان يماثلهم في ذلك نقول "لا" إنه أمر مختلف !! فعلى أي شيء اعتمد الرافضون في جعله مختلف ؟
هذا فبإيراد بعض الأدلة التي توافق موضوع المقال وعليه يكون القديس يوحنا المعمدان مبرءاً من الخطأ الفعلي إذ لم يُعرف عليه خطأ ، وما كان ليُخطئ٦ فضلاً عن ولادته مبرءاً من الخطية الموروثة٧ ومن ذلك نجدنا أمام الاختيار الإلهي للمسيح فادياً لأنه بلا عيب٨ أنه قد أُبطِلَ لوجود آخر سابق عليه في القداسة والميلاد وإلا فعلينا أن نقبل أن الاختيار الإلهي كان على أساس اصطفاء وليس على أساس نقاء ، إذ قد أخطأ الجميع .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

١ الكتاب المقدس ، العهد الجديد ، إنجيل لوقا (1 : 15)
٢ مكرم نجيب ، المعمودية بين المفهوم والممارسة ، دار الثقافة ط1 ، ص 128 ـ 138
٣ نفس المرجع السابق
* كلام السادة المحاورون في منتدى الأقباط الأحرار ، الأخت الفاضلة (ليه كده) ، الأخ (كوبتك إيجل) ، الأخ (اشمعنى)
٤ المرجع السابق
** أجوبة السادة المحاورون في المنتدى الأخت الفاضلة (ليه كده) ، الأخ (كوبتك إيجل) ، الأخ (اشمعنى)
٥ البابا شنودة الثالث ، عظمة القديس يوحنا المعمدان، مقال ينص فيه أن يوحنا المعمدان تمتع بالثالوث القدوس روحاً وحساً ـ أي أنه تمتع بالشيء الذي تتم به المعمودية (متى 28 : 19) وذلك أثناء حياته ما ينفي جميع الأجوبة سالفة الذكر ـ
٦ إبراهيم سعيد ، شرح بشارة لوقا (1 : 15 : 16) ص12 فقرة ج ، ط4 ، دار الثقافة
٧ الكتاب المقدس ، العهد الجديد ، رسالة يوحنا الأولى (3 : 9)
٨ الكتاب المقدس ، العهد الجديد ، رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين (4 : 15 ، 7 : 25 ، 9 : 14) ورسالة بطرس الرسول الأولى (1 : 19 ، 2 : 22)

الثلاثاء، فبراير 17، 2009

الحيرة بدء المسيرة ( في المعمودية )

لقد دخل في المضمار المسيحي اعتقادي لدرجة أني فكرت في نفسي أن أعتمد بنفسي وبذلك قد أكون نلت الروح القدس التي ينالها المؤمن بعد خروجه من ماء الاعتماد .
ولكن .. ! وفي أثناء إقدامي على ذلك الفعل ( وبتقدمي ) أميالا شاسعة إلى ( الأمام ) في ذلك الأمر ، تراجعت همتي خلف بأميالٍ مضاعفةْ من الأميال التي قطعتها في تصوري في التقدم ذاك .
في الواقع كان إقدامي على فعل المعمودية لذاتي دون اللجوء إلى أحدٍ منطلقة من لمحاتِ فكرٍ دينية إسلامية لازالت باقية في العقل رغم التأمل في حياة رحيبة في المسيحية العظيمة .
في ذلك الحين ، خالجني الصراع بين الإمكان واللا إمكان . في أن يقوم بتعميدي إنسان ، أو أكون مني إلى رب الأكوان ، دون وسيط بينيِ بيننا ، وحينما راضاني هذا التفكر ، وأوماتُ إليه بإيمان ، لا يُرضيَّ الشيطان ، فجاء بقدرِ قوةٍ على ضعفي ، إذ لم أزل حديث العهد بذا العهد الذي فيه ملكوت السماوات بالمجان . فقال لي من جنبات النفس التي في ذاتي ، وإني لأدريها بأمارات السوء فيها سيئة بسيئاتي وخطيئاتي ، ولكني استمعت إليه ، فالسمع من حواسي وهو من خواص سماتي ، ولا من أحدٍ يستطيع أن يكون له من سمعه بُد ، ولا أن يضع لما يسمعه حد .
فقال شيطاني : " ومن أنت أيها العاص حتى يكون لك المناص من دنسك في بصرك وفكرك وذكرك ، وكل عضو في جسمك ، ورغم ذا الرجس فيك تتعالى ، فترنو بأن تعمد نفسَك بنفسِك ، أفق ، فإن القديسين لأجل ذلك وجدوا ، فإن لم يكن منك إليهم اللجوء ، فما تمسه من ماء ، قد سبقك فيه السوء ، فتصير من سوء إلى سوء فمُسيئ " . في ذلك الكلام آتاني الشيطان في شكل الملائكِ بالإلهام مرسلين ، فهاجت بيَّ الأفكار ، فنَهَدتُ آه ، إنه على حقٍ فيما أثار ، ونَبَهتُ إلى ما في الكتاب من آثار ، وعلمت أنه يجب عليّ الإيثار ، بتفضيل القديسين الأبرار عليَّ فلا بد أن أقتنع بفضلهم ، وحلهم وأمرهم ، في ذلك الأمر لديّ ، ولا بد في ذا الأمر إلا ما يأمرون وما يفعلون ، فإذا كان من قبلُ المسيح قد شُرطَ كي تتم قداسته ، وأن تليق لناسوتهِ ألوهيته ، أن يلجأ للمعمدان يوحنا كي يلجه بماء الأردنِ ، فذا شرطٌ مطلوب ، كي يتم به كل برٍ محسوب .

وبعد هياج الأفكار ، التي أخذت ذلك الكلام دليلاً وسبيلاً ، استراحت بديهتي برهة ، وشكرت الرب على نعمائه بفرحة .
إلا أني وقبل إقدامي إلى المثول تحت أيدِ قديس مبررٍ وقور الهيبة والاحترام ، رجعت إلى ما قد فكرت فيه ، مِن ذاك الكلام ، وقلت في نفسي : " إن كنت أنا الصغير الضئيل وفي عالم الملكوت والأفلاك قليل ، وسأرضخُ بمُكثٍ خاضعاً تحت أيدٍ لقديس من الرهبان لاعتمادي ، فذلك أمرٌ اعتيادي ، ولكن ، ماهو ليس بعادي وقد استلهمه لُبي وفؤادي ، هو أن كيف يكون من هو الأعظم في ملكوت السماوات ، بين ايدِ كائناً ما كان ، وقد كان إنسان ، فنهرت نفسي ، وقلت : " لقد كان العظيم وقتئذٍ إنساناً ، فلا بد له لذا الفعل من إنسان ، فانتهرت ، ولكن سيل أفكاري المتجدد سالت ، وبراكين حالي المتقدة انفجرت ، وحالت بيني وبين الاعتمادِ في الحال ، فلقد غُرس تساؤلُ ببروز سؤال في عقلي ، إنني و أنا القليل الضئيل الضال حتى الآن عن ملكوت السماوات ، ولأتقدس بالروح القدسية المباركة ، وجب عليَّ مثولي لمن هو متقدسٌ مبرر من خطاياه ، وهو بذلك أحسبه كبير في ملكوت السماوات إذ اكتمل إيمانه ، ولكن السؤال المؤرق لديّ : ماذا كان المسيح وقتئذٍ قبل الاعتماد ؟ وقبيل الإتيان في لجة الأردن ، على أيدِ من هو أقل مكانة من عظيم الملكوت المسيح ، وأن المعمدان لم يعتمد على أيدِ إنسان ولم يعمده شئ كان ، فلم يذكر التاريخ ولا حتى الكتاب المعطى إلينا من الآب اعتمادا للمعمدان ! ، لا من سماء ، ولا قام بذا العمل أيٌ من املاك الأكوان ولا أي إنسان . فلا كائناً عمد المعمدان ولا عمد ذاته وهو الإنسان ، ورغم هذا ، كان جديرا به أن يقوم بتعميد الأعظم وقتئذٍ ! .
بعد هذا كله ، أفلا أكون جديرا بتعميد نفسي ؟! أفلا يكون لكل إنسان جدارته لتعميد نفسه دون وساطة ، مهما كانت قدسيتها ، بين الآب وعياله ؟

بمن أقتدي ؟! ، وقد ذوبتني نار حيرتي حرقة ، فبينما المعمدان لم يلق اعتماداً من أحدٍِ كان ، وهو الإنسان ، مطلق الإنسانية ، أرى المسيح العظيم ، آتيا ، مرتحلا إليه من الجليل ، إلى الأردنِ ، كي يولجه المعمدان ماء نهره ، لإصلَ لحل أمري الذي صَعُب ، وأقول سأقتفي عمل المسيح وأثره ، وأمتثل لأيدِ إنسان ليعمدني صغيرا كان أم كبيراً ، فقط أحتاط أن يكون مؤهلا ومبرراً بقدسية . هكذا أكون قد انجيت نفسي . إلا أنه لا يسكت تفكيري ، فقد قال فيما قد قال المسيح " فتشوا الكتب " وإني لفتشتها ، حتى انتوت ذاتي للمسير ، فيما تواتي القيام به ، في العالم البهي الآتي . إلا أن الظاهر ان شيطاني يابى إلا أن يقيم علىَّ التجارب ، ويصر على أن يحارب ، ولا أدري لماذا يغمرني ويغرقني بآيات الإنجيل ، سيلا ، حين أنوي القيام بعمل من الأعمال في عالم المسيحية ؟ فلما أخلُص من مسألة ينهلني من نبع لا ينضُب من التفكير ، وإعادة البحث ، وفتح الكتب والكتاب ، فلما أقنعتُ نفسي بالمثول لقديسٍ يعمدني ، أجد المعمدان يقول : أن الآتي مشيراً للمسيح ، سيعمدنا نحن بالروح القدس ونار ! في غير موضع من بشارات الرسل الأبرار ، أفليس الماء او ما يضاف عرفناه أداة التعميد ؟ فلماذا الروح القدس والنار ؟ ألعلهما التأييد ، والتوبة والغفران ، بعد احتراقنا بالخطية !؟ كما قيل في لوقا 3 : 3 ؟ ، أوَتكفي كلمات السيد
المسيح كارزاً في إنجيل مرقس 1 : 15 " قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل " أفيكفي ذلك للدخول للمسيحية دون المثول لإذن بشر ؟ أوَيكفي عدم اعتماد الرسل لأقتدي بهم ؟ أم يكفي اعتماد القديس بولس الرسول بذاته !!!
كيف يكون العالم الذي كنت أظنه أرحب ، قد اختلف فيه عقلي أشتاتاً ؟ كيف أستريح وأنه بيني وبين أبانا الذي في السماواتِ وسائطٍ ومسافاتٍ وأوقاتاً وإذنُ من قد لا يرضىَ ؟ .
إنه وفي مراحلٍ خمس ، على مدى سنوات قلائل ، عرفت معنى ان اكون مسيحياً ، عرفت الخلاص وما فيه ، ارتدت الكنائس وغصت في الكتاب مفتشاً فيما يُظهرهُ وما يخفيه ، عرفت من يتلقى ومن يُلقي ومن يُحسب على الدين فرد ونئيت بنفسي عنه ، تدبرت وتأملت وركزت مع الله كل تركيز ، وجائت نقطة وجب فيها اعتمادي أمام ذاتي ، فوجدت من يقول " يجب إخبار راعي الكنيسة للقبول "! ففاضت تفكراتي بكيف إذني على الدخول لربي ؟ وفوجئت برفض عاصف مني وحكم ناصف للوقوف على أمري هذا ، ورجعت من حيث كنت ، يقظت فقد كنت نائما في حلم ( هو جميل ) ولكني عندما استيقظت قائماً وجدت الحلو سماً معسولاً ، كابوساً من وبيل ، فقلت داعٍ ربي " اللهم يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " ، حامداً إياه " الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة ".

الثلاثاء، أكتوبر 14، 2008

المعمودية 3

في مقالين سابقين حول هذه القضية افترضنا في كل منهما فرضية سرنا على أساسها المأخوذ من العهد الجديد بالمباشرة ، فكانت أول فرضية لنا في ذلك الإطار أن قد قلنا بأنيوحنا المعمدان قد لقي تعميدا قبل أن يوجد في دنيانا تلك ، حيث قيل عنه " لانه يكون عظيما امام الرب و خمرا و مسكرا لا يشرب و من بطن امه يمتلئ من الروح القدس "لوقا ( 1 : 15 ) وبذلك فهو غير محتاج إلى اعتماد من أحد ، إذ قد نال ما يثعتمد الإنسان لأجله أي نيل الروح القدس . وفي فرضيتنا التالية بالمقال الثاني بذلك المضمار قلنا لعله ملاك من الله أيضا على أساس مباشر من العهد الجديد إذ قيل " فان هذا هو الذي كتب عنه ها انا ارسل امام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك " متى ( 11 : 10 ) فكان هذا التهيئ من هذا الملاك الرباني أن يقوم بمهمات عديدة وبهذه الصفة الملائكية يكون يوحنا المعمدان غير محتاج لمن يعمده إذ انه مطهر بطبيعته ولا يحتاج للتطهُر بعد . ذلك ما قد أثرناه وتكلمنا فيه وخلصنا منه في كل مقال أنه :ـ بما أن يسوع المسيح محتاج لمن يهيئه باعتماد لنيل روح قدسية ليكون إلهاً مكتملا ناسوتا مندمجا بلا انفصال بلاهوت فهو بذلك بَعُد عن الصفة الألوهية في ذاته أو صفاته أو خلقه أو تكوينه أو تعيينه ، والسبب ليس قولا منا بالطبع ولكنه على الأسس التي استقيناها من الكتاب المقدس نقلا من نص معترف به في العقيدة المسيحية ككل .
أما في هذا المقال فقد رأيت استكمال وضع الفرضيات الممكنة حول اعتماد يوحنا المعمدان لأنه على اساس هذا الاعتماد ( الفعلي أو الروحاني ) يتبين لنا بالروابط العلاقية أساس الصفة الحقة للسيد المسيح ، هل هي ألوهية مطلقة ، أم ألوهية عارضة ، أم ما هي إلا نبوة تبشيرية ، أم تشريعية ، أم هو مجرد إنسان عادي صالح اعتمد على أيد المعمدان ككل من اعتمد من قبل من بني إسرائيل ؟ وأيضا من تلك الروابط العلاقية نكشف ما لقدسية الاعتماد من شرع ما زال مأخوذا به ، ومنه ومن شخصية المعمدان أيضا نتوصل لطبيعة يسوع المسيح
الحقيقية .
في هذا المقال سنفترض افتراضا جديدا مأخوذا كذلك أيضا من نصوص الكتاب المقدس ، فقد أخذنا فرضية أن يوحنا المعمدان
ماهو إلا إنسان عادي لم تخلط إنسانيته الخَلقية في وجوده شيئا ما من غرابة تفسد البشرية أو فكرة الإنسانية فيه ، فما هو إلا قد نال شرفا بتقواه . عند هذا التصور نجد أن وظيفته وهي تعميد الناس أي تطهيرهم هي وظيفة عادية قد ينالها أي بشر يمتلك من مقومات التقوى ما يجعله في أعين الناس جديرا لفعل مثل ذلك الفعل ـ لجوء الناس إليه ثقةً فيه ـ فقد اكتسب هو ذلك لذلك ، فهو كإمام واعظ أو رجل صالح فيه حكمة مؤهلة لذلك .
مع تلك المقومات غير الغريبة على بشر من عامة الناس نرى أن الكتاب المقدس يذكر ذلك بلمحة سريعة لطيفة حيث يقول في لوقا ( 3 : 21 ) " و لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع ايضا
" فمن هذا النص نستقي نقلا أن الذي عَمَدَ هو يوحنا المعمدان ابن النبي زكريا ، ومن ذلك نرى أن ما يوحنا إلا بشرا عاديا قد أنعم الله عليه بنعم ، فهو ليس بمَلَكٍ كما أسلفنا في مقال سابق كفرضية محتملة مؤسسة على نص ، فهو إنسان لا أكثر ولا أقل ، كعامة الناس بشرا طبيعيا ودليل ذلك هذا النص المقتبس لدينا في لوقا ( 3 : 21 ) قوله " و لما اعتمد جميع الشعب .. " فاعتماد جميع الشعب هنا أو بالحري جمع الحضور يعطي انطباعا واجبيا نحو الواجب العملي العام وفي انسيابية الأمر واعتياديته . إذا فلم يكن يوحنا المعمدان بذلك العمل العام مخصوصا ليسوع وتعميده خاصة ، ولكنه كان إنسانا بشرا عاديا ، أنبأه الله لخير الجميع .
ولما كان يوحنا المعمدان غير مختص بيسوع في تلك الحال ، يكون من ذلك يسوع المسيح في المقابل بشرا عاديا هو الآخر ولا ينتمي لمصاف الآلهة والسبب هو أنه تعرض لما يتعرض له البشر بواسطة بشر ، (( ولكننا قد علمنا مسبقا أن الاعتقاد المسيحي قائم على أن الله سبحانه قد تجسد بشرا طاهر غير مخطئ كي يتحمل عن البشر الخطائيين إثمهم ، ويكون ذبيحة فداء لهم ، نعم )) ، ولكن في تلك الحال فالمعمودية
التي ليسوع تفصل في ذلك ، أو بالأحرى نقول لا تحدد كيف يكون يسوع إلها بل وتبين واقع الأمر .
فواقعيا عندما نردد قولة القديس لوقا في ( 3 : 21 ) " و لما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع ايضا " فما الجازم هنا أن يسوعا بشرا غير مخطئ نزل ليفدي البشرية بدمه الطاهر ، وما الجازم كذلك أن كل البشر المعتمدين من قبل وحينئذ من يوحنا خطائيين بالكلية
؟ !
قد يرُد أحد المسيحيين ويقول : أن البشر بسلالتهم الممتدة لآدم قد نالوا من الخطيئة الأولى الأزلية للبشر ، أما يسوع فقد اجتنب هذه الخطيئة الممتدة للبشر بميلاد معجز ! ونقول هذا جواب جيد ، ولكنه سطحي عندما ننظر بعمق لنسب يسوع المسيح في إنجيل لوقا أيضا ـ الفقرة التالية للمعمودية في ذات الأصحاح ـ نرى أن تسلسل النسب يمتد وصولا إلى آدم ثم تنسب البنوة العمومية إلى الله أخيرا ، وذلك يدخلنا في دهليز آخر وهو أنه مادام آدم انتسب أخيرا ببنوة إلى الله ـ حسب سلسلة النسب في لوقا ـ فلا فرق إذا بين أفراد تكوين النسب الشريف الطاهر . فذلك معناه أنه واقعيا أن آدم لم يخطئ ، وإنما هي مشيئة الله غير المعيبة في تصرف آدم ، ( فالتالي في التواجد بعد الله هو الأولى في الاحتفاظ بالعهد ممن سواه ) ويسوع من نسل آدم كما ذكر لوقا ، فهو لم ينل خطيئة لأن آدم لم ينلها ولم يرتكبها ، وبالتالي أيضا لا تكون خطيئة على البشرية أصلا تستدع الفداء
.
وفي سلسلة نسب يسوعية أخرى ذكرها القديس متى في إنجيله انتهت فيها سلالة يسوع المسيح إلى النبي داود ولم يدعوا القديس متى بالإشارة إلى بنوة لله . فإذا فرضنا أن متى يقصد ذلك ـ يعرفه ولم يكتب لأنه معروف ـ يكون كلامنا هو ذات الكلام الذي قيل في النسب للقديس لوقا عن المسيح ، أما إن كان هذا النسب هو الأولى ، وفي الواقع لم يكن هناك وصولا إلى الذات الإلهية ، يكون كلامنا أن يسوع المسيح بشري السلالة خالصا ، حامل للخطيئة إن وجدت ، مساوي للبشر ومجموع الحضور للاعتماد من يوحنا المعمدان ، ولهذا قيل " ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا " لوقا ( 3 : 21 ) .

بذلك ، لقد أوضحت بشرية يوحنا المعمدان ، وأنه ليس إلا بشرا نبيا في تساوي يسوع المسيح معه في الطبيعة البشرية المخطئة المشرئبة للتطهر وانعدام احتماله لطبيعة أخرى لا ترتكب الخطأ .ثم تساوي يسوع مع جموع الشعب في إنسانيتهم ( ليس من وجهة النظر الفدائية بالتدخل الإلهي ) ، ولكن بواقعية الأمر وطبيعة الوجود . فإن كان الشعب قد اعتمد لخطيئة احدثها أو لنيل بركات قدسية طالما ارتقبها ، فما الداعي أن يقال على يسوع المسيح أكثر مما وجه للشعب وهو كلام ليس فيه ما يعيب .
أما وإن قيل أن اعتماد يسوع كان لاستلاله من جانبه الناسوتي الملتصق به من أمه مريم العذراء . وجد القائل لهذا الكلام ردا عليه في المقال السابق الذي فيه فرضُنا بملائكية يوحنا المعمدان ـ حسب العهد الجديد ـ .

الخميس، أبريل 17، 2008

المعمودية 2 ( ملاك الرب )

قلنا في المقال الأول بصحة فرضية أن معمودية يوحنا أنها من السماء كانت رغم عدم وجود نص جازم لذلك إلا انه بالرجوع إلى ( لوقا 1 : 15 ) يكون ذلك كافيا لمعرفة أصل اعتماده حسب الاعتقاد المسيحي المستقى من العهد الجديد .
وقلنا كذلك أيضا أن تلك المعمودية الخاصة لم تنتفي فيها بشرية يوحنا فلم يقال بعدها أنه سوى بشر كإله أو حتى أقل بكثير كملاك مثلا ، إلا أن معمودية يسوع بيد يوحنا شككت فيما يثار حوله من دعوى الألوهية وألصقت به صفة الناسوت ليس إلا .
والآن وفي هذا المقال سوف نحيد قليلا عن فكرة المقال الأول ـ رغم صحة فرضيتها ـ حيث سنؤول إلى عدم أنسنة يوحنا المعمدان حيث نتصور وكأن المراد الإلهي هو أن يقوم شخص مقدس غير مدنس بتعميد ناسوت اللاهوت لتحل على ذلك الناسوت صفة القداسة باعتماده ، ليكون بالإمكان ذلك ؛ حيث لا روح قدس بلا اعتماد .

فإذا فرضنا أن يوحنا المعمدان هو ملاك من الله اعتمادا على ( مرقس 1 : 2 ) وأيضا استنتاجا من ( يوحنا 1 : 19 ـ 22 ) فلنفترض جدلا أن يوحنا ملاكا أرسل بالفعل لتعميد يسوع وذلك بما أنه ملاك مطهر مسبقا والطهارة تكوينه ، فإن يسوع بذلك قبل التعميد ناسوتا عاديا غير مرتبط جوهريا بلاهوت وذلك على أساس ( متى 3 : 16 ) وغيرها . فقد كان هذا دور الملاك ( يوحنا المعمدان ) ؛ أن يعمد إنسانا ليضفي عليه بأمر من الله صفة ما ، ولكن ماهذه الصفة التي تجعل الناسوت متحدا اتحادا اندماجيا بذات اللاهوت ؟ .. إن الاعتماد أضفى على شخص المسيح صفة روحية جديدة فبعدما كان ناسوتا عاديا أُهلَ بالاعتماد من الشخص المطهر ـ المناسب ـ ليستقبل الإلهامات الإلهية فيمكن في هذه الحال أن ننسب إليه أنه اكتسب صفة النبوة أو الرسولية لاستقبال الوحي الرباني فصار مرتبطا ارتباطا روحيا بربه الله ولكنه ارتباط غير جوهري . فالمعمودية أعطت قدسية ولم تعط ألوهية ؛لم تعطِ ألوهية لأن التطهر يحول الإنسان إلى طاهر أو صديق أو قديس أو نبي أو رسول وكل هذه المسميات في إطار إنساني محض بشري خالص . فلم يعط الاعتماد ألوهية للناسوت لأن التطهر كان سابقا عليه ، ولي بالمبالغة في الطهر يصبح المرء شيئا أخر مختلفا في جوهره ، فالروح القدس لم يأتِ إلا بعد مرحلة المعمودية .
عند اعتبار يوحنا المعمدان ملاكا رشح ككائن مطهر لمعمودية يسوع لإحلال عليه الروح القدس يكون بذلك يوحنا ليس فقط ممهدا لطريق يسوع أمامه ، بل يكون كواضع سر اللاهوت في شخص الناسوت أيضا ! .
إن ذلك الكلام لا يستقيم بل لايليق . ذلك مع القول بأن هل يضع الملاك سر الألوهية ويمسكها بيده أم يكون هو الناقل لسر النبوة ؟ فأي التصورين أفضل ليستقبله العقل في ذلك .

الأحد، مارس 30، 2008

المعمودية

من الاعتقاد المسيحي العام عرفنا جميعا أن ناسوت المسيح لا يمنعه أبدا من لاهوته فهو مهما فعل من فعلات إنسانية وظن البعض أنه إنسان ليس إلا فهو أيضا إلها غير أن التقبل البشري لمسألة اللاهوت مع الناسوت بإناء واحد يشرب كله ليست بالسهل المستساغ ولا يطيقها العقل البشري خاصة في عصورنا تلك إذ كان بالإمكان التقبل أكثر في العصور الأولى لهذا الأمر حيث كانت الوثنية تزعم هي الأخرى حلول اللاهوت في جسم دنيوي أخر .
إلا أن أمر المسيح يختلف عن هذا الزعم فبميلاده المعجز يعطي تقديما لما سيكون عما سيراه المسيحيون .
وبالنظر بقليل من التأمل إلى جل مسائل العقيدة المسيحية يُواجهُ هذا الاستلام للعقيدة بإحاطات متتابعة من الحصانة الفلسفية الخاصة فكلما أريد اختراقها بفكر عقلي ما تنجو من تلك الاختراقات فإذا لجأ أضداد المسيحية إلى القول مثلا بتدني الإله لبشر قيل أن ذلك البشر هو الإله بلا انفصال فلا يكون هناك تدني وأن ذات الإله هي ذاتها ذاك الإنسان دون ميز بهذا عن ذاك ولا غنى عنهما مجتمعان .
فهنا في هذه الهلامية الإلهية العجيبة في التصور رغم التجسيد المادي لايمكن بقليل من التأمل نقض هذا التوحد . إلا أنه بالتعمق في علاقات وردت في الكتاب المقدس نجد ان انتفاء الصلة بين الإله وهذا البشر ليس روحيا ولكن جوهريا بحيث يكونا واحدا ، هذا الانتفاء قد حدث ووضعنا على الحد الرفيع بين الأمرين أمر الإله وشكل البشر . فعندما نتكلم عن معمودية المسيح نجد ان المسألة طبيعية بالنسبة لناسوته إلا أن جميع الأمور الحادثة في هذه المسألة توضح انفصال ذلك الناسوت عن هذا اللاهوت .
فعندما ننظر إلى الفاعل وهو يوحنا المعمدان الذي لم يُتوصل إلى أصل اعتماده بشكل جازم إلا أن البعض يقول أنه من بطن امه امتلأ بالروح القدس اعتمادا على ( لوقا 1 : 15 ) والروح القدس يتنزل على الإنسان إثر التعميد ويوحنا هنا وفي هذه الحال ليس محتاجا لمن يعمده لأنه مملوء بالروح القدس من بطن أمه بشكل مسبق .
هذا عن الفاعل الذي امتلأ بالروح القدس من بطن امه التي حوت زرعا بشريا لرجل بالطريقة الجنسية الفطرية المعروفة ولا مانع ابدا ولا اعتراض في ذلك ، إلا أن وجه الغرابة هو أن يقوم يوحنا الحامل لكل هذه الميزات والتي لم تنقص من بشريته شيئا يقوم بتعميد شخص الناسوت المرتبط ارتباطا وثيقا باللاهوت وعن ذلك الناسوت وميلاده المعجز المذكور سلفا لم تمسه الروح القدس من بطن أمه وهو أولى ؛ فلا وجود لزرع بشري لرجل يعيق استقبال الروح القدسية في بطن الم الحاملة للإله ، ولكنه رغم ذلك ـ في الاعتقاد المسيحي ـ كان بحاجة إلى اعتماد لتتنزل عليه الروح القدس وقد حدث وأن نزلت كحمامة وأتت عليه .
إن معمودية يوحنا ـ السمائية ـ ، ـ إن كانت كذلك فعلا ـ لم تنقص من بشريته على الإطلاق ولم تغالي في وصفه ليكون عند الناس أكثر من بشر ، إلا أن معمودية يسوع البشرية أثبتت إنسانيته وأكدت عدم اتصاله الجوهري حينئذ بالإله .

وفي ذلك كان الإعلان الإلهي بعد أن اعتمد يسوع أولا وخرج من الماء ثانيا ونزل الروح القدس عليه أخيرا ، ثم نودي وقتها ....
" هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت . "