الجمعة، يونيو 13، 2008

الصليب والمصلوب

عندما أقول صوت الإنجيل الحق فإني أستخلص من اعداد العهد الجديد آيات إنجيلية وبمطابقة تلك الآيات مع شيئين غاية في الأهمية هما المنطق والأعداد الموجودة فعليا الان في الكتاب المقدس الحالي ينتج ذلك الاستخلاص الذي بواسطته أهدف إلى الغاية القديمة من قول الآيات المنسية .
منذ عامين وأنا في معرض القاهرة الدولي للكتاب دخلت قاعة الكتاب المقدس فوُزع عليّ كتيبات عدة عن المسيحية وفي وسط هذه الكتيبات كان كتيب صغير رائع أنصح كل من أراد التنصر بقراءته وهو بعنوان ( المبادلة الإلهية الكبرى ) وعنوان فرعي أخر ( موت يسوع المسيح الفدائي على الصليب ) للقس الدكتور ديرك برنس
. قرأت الكتيب الرائع هذا أكثر من مرة لدقته الفعلية في وصف الحدث وظهوره بمظهر الحق النابع من حق وبعد تلك القراءات المتكررة بشكل جلب ليّ الصداع من إرهاق التفكير قمت راجعا لمصدري وفي رأسي تدور الآية { ولكن شبه لهم } وأنا أبحث لها عن إثباتٍ جازم من داخل الكتاب المقدس حتى وجدته بفضل الله .
إن محور ارتكاز هذا الكتيب الرائع يقوم على التحدث عن المبادلة وكيفية إتمامها وإرهاصاتها " كيف فدى المسيح نفسه صلبا ليخلص الناس .. " وفي المقابل كان محور ارتكازي أنا ردا على كلام القس الدكتور برنس مستخلصٌ من نبوءات واضحة لدى انبياء ماقبل المسيح وكلام يسوع المسيح نفسه وأساس المحور انني اعترفت بالصلب كحدث لكنني صرت أبحث عن المصلوب الفعلي ، فالصلب حدث واقع لا ينكره أبدا عاقل أما الشخص الذي صلب فهذا هو الذي فيه كلام .
يقول المسيحيون أن السيد المسيح هو الذي صُلب ولكن يستطيع أي قارئ لكتاب الإنجيل أن يشكك في ذلك الكلام بل ويخطأهُ من أساسه ولن أستلم هنا ما صار ليسوع قبيل حادثة الصلب وأثناءه ولكني سأوجه نفسي لمصير تلميذه الذي خذله ووشي به إلى أعدائه ذلك التلميذ المدعو ( يهوذا الاسخريوطي ) فمصير هذا الرجل في كتاب العهد الجديد متضارب جدا وليس محدد بشكل جازم حازم لثبوت هذا المصير حيث يذكر في ذلك متى في إنجيله " .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف ثم مضى وخنق نفسه فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا : لا يحل أن نلقيها في الخزانة لأنها ثمن دم . فتشاورا واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء ولهذا سمي الحقل حقل دم " ( متى 27 : 5 ـ 8 ) وسريعا وفي المقابل ذكر مصير ذات الشخص بشكل أخر بوحي من لوقا كاتب إنجيل لوقا وأعمال الرسل حيث قال " .. فإن هذا اقتنى حقلا من اجرة الظلم وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها . وصار ذلك معلوما عند جميع سكان أورشليم حتى دعي ذلك الحقل في لغتهم حقل دما أي : حقل دم " ( أعمال الرسل 1 : 18 ـ 19 ) .
هذا التضارب ليس هو المشكل في ظني فالتضارب كثير فلنبحث إذا عن التوافق وذلك يتجلى في كلمات قالها السيد المسيح نفسه مخبرا بمصير هذا الشخص حيث قال " إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان . كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد " ( متى 26 : 24 ) وكذلك ذكر ( مرقس 14 : 21 ) وكذلك لوقا ذكر هذا ( لوقا 22 : 22 ) وهي أقوال متطابقة ، ثم يأتِ القديس يوحنا هنا مفسرا مفصلا كلماته توضح بعضها البعض حيث يقول في صلاة يسوع من أجل التلاميذ قبيل حادث الصلب وذلك على لسان السيد المسيح " حين كنتُ معهم في العالم كنت أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب " ( يوحنا 17 : 12 ) وعند ملاحظة الجملة " ولم يهلك منهم أحد " نعي تماما أنه لا يقصد الموت أو الميتة العادية أو حتى القتل الاعتراضي فلو كان قصد ذلك فلقد أخطأ التعبير ولكنه في الواقع قصد أنه لم يتعذب منهم أحد " إلا ابن الهلاك " أي ابن العذاب " ليتم الكتاب " ( يوحنا 17 : 12 ) ، وعندما نرجع للكتاب الذي قال ذلك نجده في سفر المزامير ( مزمور 7 : 14 ـ 17 ) " هوذا يتمخض بالإثم حمل تعبا وولد كذبا كرا جبا حفره فسقط في الحفرة التي صنع يرجع تعبه على راسه وعلى هامته يهبط ظلمه أحمد الرب حسب بره وأرنم لاسم الرب العلي " وهذا هو العقاب الذي ذُكر في الكتاب والذي قصده ووصفه بالهلاك السيد المسيح في صلاته .

ثم تأتِ النتيجة والتي يخبر عنها أيضا السيد المسيح بقوله في ( يوحنا 16 : 33 ) " قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام . في العالم سيكون لكم ضيق ، ولكن ثقوا : أنا قد غلبت العالم " وإرهاصات هذا الفوز وهذه الغلبة تتجلى في سفر المزامير أيضا حيث يقول ( المزمور 2 : 4 ) " الساكن في السماوات يضحك الرب يستهزئ بهم حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه " فهذا إذا تنبيئٌ بالحدث وإشارة إلى أن لا السيد يسوع المسيح هو الذي صُلب ولكن شبه لهم بدليل الاستهزاء الرباني .

الجمعة، أبريل 18، 2008

يسوع الناصري رجل 3 ( الحدث )

لقد كان الحدث الذي قيلت من خلاله تلك المقولة وعلى إثره كانت بهذا الوضوح الذي لا يشوبه لبس كان حدثا يمكن تصنيفه بأنه تمحيص لقلوب قوم مؤمنين وفرض الأمر الواقع ذلك الواقع الذي فُرض من خلال موضوع جيئ ليقره ويفسره من طرحه رغم عدم الحاجة فيه ليُفسر ولكن وكما سبق وأن قلنا أنه من باب ذَكّر أو ثَبّت أو أَحكم عقيدة كادت ان تفلت .
الحدث الذي ذكر في كتاب العهد الجديد هو حدث يمكن تفنيده وإثبات عدم صحته من جهاتٍ عديدة ويمكن الاطلاع على ذلك في الأصحاح الثاني من سفر أعمال الرسل العدد 1 حيث يحكي معجزة حلول الروح القدس في يوم الخمسين على شكل ألسنة من نار ، ولكن إذا فرضنا أن ماشابه ذلك حدث فعلا بشكل يقبله العقل فبالرجوع إلى مقولة القديس بطرس الرسول بأن قال " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال : يسوع الناصري رجل " وكان بطرس حينئذ هو معقبا بشكل لا يقبل أي لبس في الاستقبال بأن ليس الفاعل لهذا الذي رأوه من شئ معجز الآن هو ليس بفعل يسوع الناصري لأنه رجل كما أنتم رجال فهو ليس بقادر لأن يفعل المعجزات ولكنها قدرة الله وإرادته .
وبهذا القول والتمييز لصفة يسوع الناصري بأنه رجل نجد أنه لا مجال لإمكان وصفه باي شكل أخر ، ولو كان إله كما يُدّعى لكان أدعى وألح في أن تذكر صفته الحقة في هذا الزمان والمكان القياسيين إضافة إلى ذلك الحدث المعجز .
ومن الناحية الأقنومية التي تقول بآب وابن وروح قدس فلقد دحضها بطرس الرسول في خطبته هذه وصَدَّقَ على كلامه باق التلاميذ ووثقه القديس لوقا وبدوره نشرها كما أسلفنا ، فبينما أطلق القديس بطرس الرسول العظة الأولى " ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلص " ( أعمال الرسل 2 : 21 ) وفيها ميز الإله بوجوب التوجه إليه تضرعا من أجل الخلاص استطرد معقبا وماثل بين سائر الرجال ويسوع الناصري بانه رجل مثلهم وقال " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال : يسوع الناصري رجل " وكأن لسان حاله يقرأ هذه الآية القرآنية الشهيرة التي اختتمت بها سورة الكهف {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110

الخميس، أبريل 17، 2008

يسوع الناصري رجل 2 ( المكان )

قلنا في المقال السابق واتفقنا أن لا تعارض على الإطلاق بين الأناجيل في المسيحية عند صفة يسوع المسيح إذ لما يصفه أحدهم بأنه يتعامل تعاملات البشر هناك فلا يعترض ذلك مع وصف آخر بأنه يفعل أفاعيل الآلهة هنا فقد قلنا أن الأناجيل تكمل بعضها البعض من وجهة النظر الأقنومية .
وقلت أيضا أن ذلك الكلام لا ينم بالضرورة عن إيمان إلا أنه في واقع الأمر هو فهم لطريقة اعتقادٍ ما وقد يقول البعض من المسيحين أنني ما دمت قد وصلتُ إلى هذه الغاية بأن فهمت تلك العقيدة وأن لا تعارض في كتبها فلما لا أكون معتنقا لها معتقدا بها ؟ وأقول هنا أن كلامي في هذه الأمور أنها أعمال بحثية علمية وليست بحثا عن الحقيقة كما يظن البعض .
ثم دخلت في صلب الموضوع الذي كان حول مقولة قالها العديد من التلاميذ بعد رفع السيد المسيح وحادثة الصلب والتي وثقها نصا القديس لوقا في سفره أعمال الرسل العدد 22 والتي تقول " يسوع الناصري رجل " وقد قلنا في مقالنا السابق أنه بالنظر إلى ثلاثة عناصر هي ( الزمان ، المكان ، الحدث ) نستنتج دحضا واضحا من عمق الفكر الإنجيلي لصُلب التركيبة الأقنومية وقد أخذنا عنصر الزمان بشئ من التفصيل المختزل واتفقنا أن ينفرد كل عنصر من العناصر التالية بمقال تجنبا للإطالة . والآن نحن أمام عنصر المكان لكشف وجه الخلاف الذي تفرزه تلك المقولة امام الفكر المسيحي كله .

قيلت المقولة التي تقول " يسوع الناصري رجل " في زمانٍ ليس ببعيد من حادثة الصلب الشهيرة ورفع يسوع المسيح إذ قيلت بعد خمسين يوما من ذلك وقد كان مكان التصريح بها مدينة أورشليم ، والآن وفي ذلك الزمان ـ آنذاك ـ قيل علنا " يسوع الناصري رجل " كما عُرف في نفس المكان ولنفس الشخوص تقريبا والجموع وأنه بهذه الصفة وليس بصفات غيرها وبهذا ارتفع القديس بطرس الرسول مخاطبا الناس وفي بداية خطبته الرائعة تلك نادى اليهود وقال " أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون ... " ثم دعى إلى العظة الأولى بعد استطراد وقال " ويكون كل من يدعو باسم الرب يخلص " ( أعمال الرسل 2 : 21 ) ثم نبه وقال " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال " ثم صرح بـأن " يسوع الناصري رجل " وما الفرق بين أولئك الرجال والذين من بعدهم ذكرا وهذا الرجل ؟ لقد كان هذا المكان يجمع أولئك الرجال مع يسوع الذي عرف بأنه رجل ولم يعرف بسوى ذلك في هذا المكان صُرح بطبيعة يسوع بعد انعدام وجوده أرضا (( في ذات المكان )) إذا فذلك ماهو إلا تأكيدا على تلك الطبيعة البشرية ليسوع . وكما ان هذا المكان حوى كما قلنا سابقا العديد من الأجناس والأعراق كما حوى في حدوده التلاميذ وأتباعهم إذ أن هذا المكان بما حواه من أناس شتى سمعوا تلك الخطبة وتلك المقولة فيها ولو كان المسيح شيئا غير رجل حقا كشكل عقدي لما ترك الواعين والمدركين من التلاميذ هذه الفرصة المكانية الفذة إذ اجتمع فيها بوقت قياسي واحد الكثير من الناس الذين وبكل تأكيد سيكونوا اوعية تنضح بما تسمع كما نضح بدوره الفعال القديس لوقا بأن أرسل ذلك الكلام الذي أنشأه إلى الشخص الذي يُدعى ( ثاوفليس ) .
ونعود إلى الشكل الإقنومي وأقول أن التزام القديس بطرس الرسول بالتحدث عن صفة الناسوت هنا ليس لديها أي مبرر مقنع فالمعروف أن السيد المسيح كان في وجوده معروفا بأنه رجل جليلي أو ناصري إذاً وبعد مضي السيد المسيح هل كان فرضا على بطرس أو سواه أن يُعرف مُعرفا أصلا إلا إذا كان هذا المعرف آنذاك قد بدأ يشوب تعريفه شئ من إرهاصات الإنحراف العقدي أو الفكري وذلك قد يكون راجعا إلى ازدياد حدة المعجزات على مقياس التقبل العقلي للبشر
.
ما كان على بطرس الرسول في هذه الحالة الزمانية او المكانية على حد سواء إن كان المسيح حقا إله ، ماكان عليه إلا أن يقول بصورة تغلب وضوح النور أنه ( إله ) ولكنه وللسابق ذكره صرح بما كان هو يعتقده وما كان شائعا آنذاك . فيسوع الناصري رجل في اعتقادي الذي يؤكده صوت الإنجيل مُدعما بأقوال التلاميذ الأخيار في ذلك .


المعمودية 2 ( ملاك الرب )

قلنا في المقال الأول بصحة فرضية أن معمودية يوحنا أنها من السماء كانت رغم عدم وجود نص جازم لذلك إلا انه بالرجوع إلى ( لوقا 1 : 15 ) يكون ذلك كافيا لمعرفة أصل اعتماده حسب الاعتقاد المسيحي المستقى من العهد الجديد .
وقلنا كذلك أيضا أن تلك المعمودية الخاصة لم تنتفي فيها بشرية يوحنا فلم يقال بعدها أنه سوى بشر كإله أو حتى أقل بكثير كملاك مثلا ، إلا أن معمودية يسوع بيد يوحنا شككت فيما يثار حوله من دعوى الألوهية وألصقت به صفة الناسوت ليس إلا .
والآن وفي هذا المقال سوف نحيد قليلا عن فكرة المقال الأول ـ رغم صحة فرضيتها ـ حيث سنؤول إلى عدم أنسنة يوحنا المعمدان حيث نتصور وكأن المراد الإلهي هو أن يقوم شخص مقدس غير مدنس بتعميد ناسوت اللاهوت لتحل على ذلك الناسوت صفة القداسة باعتماده ، ليكون بالإمكان ذلك ؛ حيث لا روح قدس بلا اعتماد .

فإذا فرضنا أن يوحنا المعمدان هو ملاك من الله اعتمادا على ( مرقس 1 : 2 ) وأيضا استنتاجا من ( يوحنا 1 : 19 ـ 22 ) فلنفترض جدلا أن يوحنا ملاكا أرسل بالفعل لتعميد يسوع وذلك بما أنه ملاك مطهر مسبقا والطهارة تكوينه ، فإن يسوع بذلك قبل التعميد ناسوتا عاديا غير مرتبط جوهريا بلاهوت وذلك على أساس ( متى 3 : 16 ) وغيرها . فقد كان هذا دور الملاك ( يوحنا المعمدان ) ؛ أن يعمد إنسانا ليضفي عليه بأمر من الله صفة ما ، ولكن ماهذه الصفة التي تجعل الناسوت متحدا اتحادا اندماجيا بذات اللاهوت ؟ .. إن الاعتماد أضفى على شخص المسيح صفة روحية جديدة فبعدما كان ناسوتا عاديا أُهلَ بالاعتماد من الشخص المطهر ـ المناسب ـ ليستقبل الإلهامات الإلهية فيمكن في هذه الحال أن ننسب إليه أنه اكتسب صفة النبوة أو الرسولية لاستقبال الوحي الرباني فصار مرتبطا ارتباطا روحيا بربه الله ولكنه ارتباط غير جوهري . فالمعمودية أعطت قدسية ولم تعط ألوهية ؛لم تعطِ ألوهية لأن التطهر يحول الإنسان إلى طاهر أو صديق أو قديس أو نبي أو رسول وكل هذه المسميات في إطار إنساني محض بشري خالص . فلم يعط الاعتماد ألوهية للناسوت لأن التطهر كان سابقا عليه ، ولي بالمبالغة في الطهر يصبح المرء شيئا أخر مختلفا في جوهره ، فالروح القدس لم يأتِ إلا بعد مرحلة المعمودية .
عند اعتبار يوحنا المعمدان ملاكا رشح ككائن مطهر لمعمودية يسوع لإحلال عليه الروح القدس يكون بذلك يوحنا ليس فقط ممهدا لطريق يسوع أمامه ، بل يكون كواضع سر اللاهوت في شخص الناسوت أيضا ! .
إن ذلك الكلام لا يستقيم بل لايليق . ذلك مع القول بأن هل يضع الملاك سر الألوهية ويمسكها بيده أم يكون هو الناقل لسر النبوة ؟ فأي التصورين أفضل ليستقبله العقل في ذلك .

الأحد، مارس 30، 2008

المعمودية

من الاعتقاد المسيحي العام عرفنا جميعا أن ناسوت المسيح لا يمنعه أبدا من لاهوته فهو مهما فعل من فعلات إنسانية وظن البعض أنه إنسان ليس إلا فهو أيضا إلها غير أن التقبل البشري لمسألة اللاهوت مع الناسوت بإناء واحد يشرب كله ليست بالسهل المستساغ ولا يطيقها العقل البشري خاصة في عصورنا تلك إذ كان بالإمكان التقبل أكثر في العصور الأولى لهذا الأمر حيث كانت الوثنية تزعم هي الأخرى حلول اللاهوت في جسم دنيوي أخر .
إلا أن أمر المسيح يختلف عن هذا الزعم فبميلاده المعجز يعطي تقديما لما سيكون عما سيراه المسيحيون .
وبالنظر بقليل من التأمل إلى جل مسائل العقيدة المسيحية يُواجهُ هذا الاستلام للعقيدة بإحاطات متتابعة من الحصانة الفلسفية الخاصة فكلما أريد اختراقها بفكر عقلي ما تنجو من تلك الاختراقات فإذا لجأ أضداد المسيحية إلى القول مثلا بتدني الإله لبشر قيل أن ذلك البشر هو الإله بلا انفصال فلا يكون هناك تدني وأن ذات الإله هي ذاتها ذاك الإنسان دون ميز بهذا عن ذاك ولا غنى عنهما مجتمعان .
فهنا في هذه الهلامية الإلهية العجيبة في التصور رغم التجسيد المادي لايمكن بقليل من التأمل نقض هذا التوحد . إلا أنه بالتعمق في علاقات وردت في الكتاب المقدس نجد ان انتفاء الصلة بين الإله وهذا البشر ليس روحيا ولكن جوهريا بحيث يكونا واحدا ، هذا الانتفاء قد حدث ووضعنا على الحد الرفيع بين الأمرين أمر الإله وشكل البشر . فعندما نتكلم عن معمودية المسيح نجد ان المسألة طبيعية بالنسبة لناسوته إلا أن جميع الأمور الحادثة في هذه المسألة توضح انفصال ذلك الناسوت عن هذا اللاهوت .
فعندما ننظر إلى الفاعل وهو يوحنا المعمدان الذي لم يُتوصل إلى أصل اعتماده بشكل جازم إلا أن البعض يقول أنه من بطن امه امتلأ بالروح القدس اعتمادا على ( لوقا 1 : 15 ) والروح القدس يتنزل على الإنسان إثر التعميد ويوحنا هنا وفي هذه الحال ليس محتاجا لمن يعمده لأنه مملوء بالروح القدس من بطن أمه بشكل مسبق .
هذا عن الفاعل الذي امتلأ بالروح القدس من بطن امه التي حوت زرعا بشريا لرجل بالطريقة الجنسية الفطرية المعروفة ولا مانع ابدا ولا اعتراض في ذلك ، إلا أن وجه الغرابة هو أن يقوم يوحنا الحامل لكل هذه الميزات والتي لم تنقص من بشريته شيئا يقوم بتعميد شخص الناسوت المرتبط ارتباطا وثيقا باللاهوت وعن ذلك الناسوت وميلاده المعجز المذكور سلفا لم تمسه الروح القدس من بطن أمه وهو أولى ؛ فلا وجود لزرع بشري لرجل يعيق استقبال الروح القدسية في بطن الم الحاملة للإله ، ولكنه رغم ذلك ـ في الاعتقاد المسيحي ـ كان بحاجة إلى اعتماد لتتنزل عليه الروح القدس وقد حدث وأن نزلت كحمامة وأتت عليه .
إن معمودية يوحنا ـ السمائية ـ ، ـ إن كانت كذلك فعلا ـ لم تنقص من بشريته على الإطلاق ولم تغالي في وصفه ليكون عند الناس أكثر من بشر ، إلا أن معمودية يسوع البشرية أثبتت إنسانيته وأكدت عدم اتصاله الجوهري حينئذ بالإله .

وفي ذلك كان الإعلان الإلهي بعد أن اعتمد يسوع أولا وخرج من الماء ثانيا ونزل الروح القدس عليه أخيرا ، ثم نودي وقتها ....
" هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت . "

الثلاثاء، مارس 18، 2008

يسوع الناصري رجل ( الزمان )

إنَ مَن فَهِمَ أن المسيحيين قد ألّهوا السيد المسيح فقد ضل ضلاله البين ، فإن الأمر في الواقع غير ذلك على الإطلاق فهم يعتقدون صدقا أن الله هو ذاته السيد المسيح ، إذ لم يتحولوا عن عبادة الله إذ كانوا يهوداً وعبدوا المسيح عندما صاروا مسيحيين ، بالطبع لا ، ولكنهم اعتقدوا أن الله ذاته الذي كانوا يعبدونه إذ كانوا يهودا قد نزل وتمثل في جسد المسيح وشكله وكل فعاله وتصرفاته حيث صار ثلاثة في واحد . لهذا نجد في الأناجيل الأربعة المعروفة في المسيحية تباينا بين وصف السيد المسيح هنا وهنالك وتعارض بين أفعاله وأقواله بين كلٍ من تلك الأناجيل وفي هذا يمكن القول بأن لا تعارض ولكنه التكامل بين الرؤية الأقنومية ، إذ نجد على سبيل الذكر أن إنجيل متى أخذ تصورا واحدا لجانب من جوانب حياة السيد المسيح واهتم إنجيل مرقس بجانب آخر وكذلك إنجيل لوقا لزم جانب وتكلم فيه وإنجيل يوحنا أيضا فنجد أن البعض ركز على الوصف الإلهي له والبعض الآخر ركز على الوصف الرسولي وبعضٌ آخر ركز على الجانب البشري . ذلك حتى يسطع لنا من هذا في النهاية صورة متكاملة لذلك الثالوث ( الواحد ) ( آب و إبن و روح قدس ) .
لكن لست هنا أتكلم هذا الكلام كي أوضح نيابة عن المسيحيين عقيدتهم بل لأنني وجدت ما أثار هذا الموضوع وذلك الذي وجدته متواجد بجلاء في كتاب العهد الجديد الذي يُطلق عليه الإنجيل بسفر أعمال الرسل الأصحاح الثاني العدد 22 حيث يقول القديس لوقا الذي هو نفسه كاتب إنجيل لوقا يقول " أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال : يسوع الناصري رجل ... " من الوهلة الأولى سوف يقول كل قارئ مسيحي أن ليس في ذلك أدنى شك ولا تعارض بدليل ما ذكرته أنا في صدر مقالي عن تكامل الأقانيم ولكن المسألة أعمق من ذلك فإن السياق الذي ذُكرت فيه هذه المقولة " يسوع الناصري رجل " هو سياق خطبة ألقاها القديس بطرس الرسول أمام جمع غفير من الناس متعددي الأعراق والأجناس وكذلك أمام التلاميذ وقد أخذها عنه القديس لوقا وكتبها في سفره أعمال الرسل وصارت على هيئة رسالة مبعوثة لشخص يُدعى ( ثاوفيلس ) .
وبالنظر إلى ثلاثة عناصر في غاية الأهمية بشئ من التحليل المنعكس على تلك المقولة " يسوع الناصري رجل " نجد ان تلك العناصر تدحض بشدة فكرة الأقانيم رغم التكامل الذي ذكرته في بداية المقال . تلك العناصر هي ( الزمان ، المكان ، الحدث ) وعن الزمان فإن تلك الخطبة التي ألقاها القديس بطرس الرسول كانت في اليوم الخمسين من رفع السيد المسيح أو ( صعوده ) عن الأرض وبذلك يكون التصريح بأن " يسوع الناصري رجل " في هذا الوقت بالذات وهو أقرب وقت من حادث الصلب وقد كان يسوع قبله قد حث تلاميذه على ان يصدعوا بدعوته من بعده فكان الفعل الأول لهذا الصدع بالدعوة بأن قالوا " يسوع الناصري رجل " فيكون هذا التصريح إذا إقرارا وتأكيدا على بشريته دون الألوهية أو حتى انتزاع فكرة ألوهية ألتصقت به من أناس جهلة فجاء العارفين من التلاميذ لإيضاح الأمر الآن . وإن لم يكن ذلك فما كان إلا أن يُفترض أن يوصف من مريديه وتابعيه بعد صعوده بأنه إله إذ لم يبق الجسد بعد لإثباتِ بشرية على حساب ألوهية ، لكن رغم ذلك وصف بأنه رجل وهو كذلك .ومن جهة أخرى فإن الصفة الأساس تطغى على الصفة الاعتراضية وتطفوا فوقها فإن فرضنا جدلا معا ان المسيح هو الله وكان ما كان بتمثله بشرا فلا يصح أن يوصف بادئ ذي بدء إلا بالوصف ( إله ) لأنه كذلك في أصل الاعتقاد أما حين وصف بأنه رجل وهو لم يعد موجود بعد فهو تخليدا لذكرى بشريته التي هي الأساس لا سيما أن ذلك الوصف جيئ بوقت فيه كان الإعلان العلني الأول الذي سيكون المنهاج فيما بعد . إن الله لم يكن بشرا من قبل في اعتقاد المسيحيين إلا أن تمثله كذلك في المسيح ـ كما يعتقدون ـ هو مجرد حدث اعتراضي لسبب معين وبزوال هذا السبب يجب أن يوصف الله حينئذ بصفته الأساسية وليس بالوصف العارض فإذا فرضنا أن الله هو الفاعل وتمثله بشرا هو الفعل الصادر عنه فإن ذلك يوحي بأن المسيحيين عبدوا الفعل وأهملوا الفاعل الأصل ، وهذه مجرد افتراضات آلت بنا لحقيقة العقيدة المسيحية .
لذلك فإن هذا الوصف " يسوع الناصري رجل " لم يكن له علاقة من قريب او من بعيد بوصف ذات الله وإنما هو وصف مخلوق لله الذي هو يسوع المسيح الذي وصف علنا بأنه رجل . هذا في عنصر الزمان أما عنصري المكان والحدث فهذا ما سأعقب عليه في حلقات قادمة بإذن الله تعالى ضمن مقالات .